محمد متولي الشعراوي

1654

تفسير الشعراوى

تعصى اللّه فلا أنبت لك ، ولا جاء إنسان ليركب الدابة المسخرة فقالت : لا ؛ إنك عاص ، ولذلك سأحرن فلا أمكنك من ركوب ظهري . هكذا نرى أن كل شئ ما عدا الإنسان مسخر مقهور للغاية المرجوة منه ، وهو خدمة ذلك الإنسان . والإنسان وحده هو الذي له اختيار . . ولذلك يجب أن نتنبه دائما إلى أن اللّه قد جعل للخلق تسخيرا وتسييرا ، وجعل الإجماع في كل الأجناس ، ولكن الانقسام جاء عند الإنسان فقال الحق سبحانه : أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ ( 18 ) ( سورة الحج ) إن الجمادات الساجدة المسخرة هي : « الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ » ، والنبات الساجد المسخر هو « الشجر » ، وكذلك « الدواب » فهي ضمن الكائنات التي عليها حكم الحق بالإجماع ، بأنها كلها تسجد خاضعة مسخرة . أما الإنسان فقد قال الحق عنه : « وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ ، وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ » . إذن فالانقسام جاء عند من ؟ لقد جاء الانقسام عند الإنسان . لماذا ؟ لأن اللّه خلق الإنسان مختارا . ألم يكن من الممكن أن يخلق اللّه الإنسان مسخرا كبقية الكائنات ؟ أليس التسخير دليلا على قدرة المسخر ، وأن شيئا من خلقه لن يخرج من قدرته ، هذا صحيح ، لكن الحق سبحانه كما أراد أن يثبت القدرة والقهر بالتسخير ، أراد أن يثبت المحبوبية بالاختيار . فمن كان مختارا أن يؤمن أو يعصى ، ثم اختار أن يؤمن ، فهذا الاختيار إنما يثبت به الإنسان المحبوبية للّه . هكذا صنف اللّه الخلق بين قسم قهري يثبت القدرة ، وقسم اختياري يثبت المحبوبية ، ولهذا أراد اللّه للإنسان أن يكون مختارا أن يفعل أو لا يفعل . فلماذا - إذن - لا يفعل الإنسان كل أفعاله وهي منسجمة مع الإيمان ؟ لأن للشهوة بريقا سطحيا ، وهذا البريق السطحي يجذب الإنسان كما تجذب النار الفراش .